الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

269

مناهل العرفان في علوم القرآن

كان قبل علمه بذلك ، فلما تبين له قرآنيتهما بعد ، وتمّ التواتر ، وانعقد الإجماع على قرآنيتهما كان في مقدّمة من آمن بأنهما من القرآن . قال بعضهم : « يحتمل أن ابن مسعود لم يسمع المعوذتين من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولم تتواترا عنده ، فتوقف في أمرهما . وإنما لم ينكر ذلك عليه ، لأنه كان بصدد البحث والنظر ، والواجب عليه التثبت في هذا الأمر » ا ه . ولعل هذا الجواب هو الذي تستريح إليه النفس ، لأن قراءة عاصم عن زرعة عن ابن مسعود ثبت فيها المعوذتان والفاتحة وهي صحيحة ، ونقلها عن ابن مسعود صحيح ، وكذلك إنكار ابن مسعود للمعوذتين جاء من طريق صححه ابن حجر . إذا فليحمل هذا الإنكار على أولى حالات ابن مسعود ، جمعا بين الروايتين . وما يقال في نقل إنكاره قرآنية المعوذتين يقال في نقل إنكاره قرآنية الفاتحة . بل نقل إنكاره قرآنية الفاتحة ، أدخل في البطلان ، وأعرق في الضلال ، باعتبار أن الفاتحة أم القرآن وأنها السبع المثاني التي تثنّى وتكرر في كل ركعة من ركعات الصلاة ، على لسان كل مسلم ومسلمة . فحاش لابن مسعود أن يكون قد خفى عليه قرآنيتها ، فضلا عن إنكاره قرآنيتها . وقصارى ما نقل فيها عنه أنه لم يكتبها في مصحفه ، وهذا لا يدلّ على الإنكار . قال ابن قتيبة ما نصه : « وأما إسقاطه الفاتحة من مصحفه ، فليس لظنه أنها ليست من القرآن - معاذ اللّه - ، ولكنه ذهب إلى أن القرآن إنما كتب وجمع بين اللوحين مخافة الشكّ والنسيان ، والزيادة والنقصان » ا ه ومعنى هذا أن عدم كتابة ابن مسعود للفاتحة في مصحفه كان سببه وضوح أنها من القرآن ، وعدم الخوف عليها من الشك والنسيان والزيادة والنقصان . ( ثالثا ) أننا إن سلمنا أن ابن مسعود أنكر المعوذتين وأنكر الفاتحة بل أنكر القرآن كله ، فإن إنكاره هذا لا يضرّنا في شئ ، لأن هذا الإنكار لا ينقض تواتر القرآن ، ولا يرفع العلم القاطع بثبوته القائم على التواتر . ولم يقل أحد في الدنيا :